أَلاَ وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَآذَنَتْ بِانْقِضَاءٍ، وَتَنَکَّرَ مَعْرُوفُها وَأَدْبَرَتْ حَذَّاءَ، فَهِيَ تَحْفِزُ بِالْفَنَاءِ سُکَّانَهَا، وَتَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا، وَقَدْ أَمَرَّ فيهَا مَا کَانَ حُلْوآ، وَکَدِرَ مِنْهَا ما کَانَ صَفْوآ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ سَمَلَةٌ کَسَمَلَةِ آلْإِدَاوَةِ أَوْ جُرْعَةٌ کَجُرْعَةِ آلْمَقْلَةِ، لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ، لَمْ يَنْقَعْ. فَأَزْمِعُوا عِبَادَاللهِ الرَّحِيلَ عَنْ هذِهِ الدَّارِ المَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوالُ؛ وَلاَيَغْلِبَنَّکُمْ فِيهَا آلْأَمَلُ، وَلاَيَطُولَنَّ عَلَيْکُمْ فِيهَا الْأَمَدُ.
فَوَآللهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ آلْوُلَّهِ آلْعِجَالِ، وَدَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ آلْحَمَامِ، وَجَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَانِ، وَخَرَجْتُمْ إِلَى آللهِمِنَ آلْأَمْوَالِ وَآلْأَوْلاَدِ، آلْتِمَاسَ آلْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي آرْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ، أَو غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا کُتُبُهُ، وَحَفِظَتْهَا رُسُلُهُ، لَکَانَ قَلِيلا فِيمَا أَرْجُو لَکُم مِنْ ثَوَابِهِ، وَأَخَافُ عَلَيْکُمْ مِنْ عِقَابِهِ.
وَتَاللهِ لَوِ آنْمَاثَتْ قُلوبُکُمُ آنْمِيَاثآ، وَسَالَتْ عُيُونُکُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً، ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا، مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةٌ، مَا جَزَتْ أَعْمَالُکُمْ عَنْکُمْ ـ وَلَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئآ مِنْ جُهْدِکُمْ ـ أَنْعُمَهُ عَلَيْکُمُ آلْعِظَامَ، وَهُدَاهُ إِيَّاکُمْ لِلْإِيمَانِ.