وَ مِن خُطبَةٍ لَهُ عَليهِ السَّلامُ تْعْرَفُ بِخُطْبَةِ الأشْبَاحِ وَ هِيَ مِن جَلائلِ خُطَبهِ (عليه السلام) رَوى مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةٍ عَنِ الصَّادِقِ، جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أنَّهُ قَالَ: خَطَبَ أمِيرُالمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بهذِهِ الخُطْبَةِ عَلى مِنْبَرِ الکوفَةِ، و ذلِکَ أنَّ رَجُلا أتَاهُ فَقالَ لَهُ: يا أمِيرَالمُؤْمِنِينَ صِفْ لَنا رَبَّنا مِثْلَما نَراهُ عِيانآ لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّآ وَ بِهِ مَعْرِفَةً، فَغَضِبَ وَ نادى: الصَّلاَةَ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسَ حَتّى غَصَّ المَسْجِدُ بِأهْلِهِ، فَصَعِدَ المِنْبَرَ وَهُوَ مُغْضِبٌ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ، فَحَمِدَاللهَ وَ أَثْنى عَلَيْهِ وَ صَلّى على النَّبِيِّ (صلي الله عليه و آله) ثُمَّ قالَ:...
الْحََمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ الْجُمُودُ، وَ لَا يُکْدِيهِ الْإِعْطَاءُ وَ الْجُودُ؛ إِذْ کُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ، وَ کُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلَاهُ؛ وَ هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ، وَ عَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَ الْقِسَمِ؛ عِيَالُهُ الْخَلَائِقُ، ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ، وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ، وَ نَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ، وَ الطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ، وَ لَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ. الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَکُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَکُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَ الْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لهُ بَعْدٌ فَيَکُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ، وَ الرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِکَهُ، مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ، وَ لَا کَانَ فِي مَکَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ. وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ، وَ ضَحِکَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ، مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَ الْعِقْيَانِ، وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ وَ حَصِيدِ الْمَرْجَانِ، مَا أَثَّرَ ذَلِکَ فِي جُودِهِ، وَ لَا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ، وَ لَکَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ مَا لَا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنَامِ، لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ وَ لَايُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّين.
فَانْْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ: فَمَا دَلَّکَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ وَ اسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ، وَ مَا کَلَّفَکَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْکِتَابِ عَلَيْکَ فَرْضُهُ، وَ لَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ (صلي الله عليه و آله) وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ، فَکِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ ذَلِکَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْکَ. وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ، الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ، فَمَدَحَ اللَّهُ - تَعَالَى - اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً، وَ سَمَّى تَرْکَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُکَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ کُنْهِهِ رُسُوخاً، فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِکَ، وَ لَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِکَ فَتَکُونَ مِنَ الْهَالِکِينَ.
هُوََ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِکَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ؛ وَ حَاوَلَ الْفِکْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَکُوتِهِ، وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي کَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ، وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ، رَدَعَهَا وَ هِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ، مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ -سُبْحَانَهُ- فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الِاعْتِسَافِ کُنْهُ مَعْرِفَتِهِ، وَ لَا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِه.
الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ، وَ لَا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ، مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ کَانَ قَبْلَهُ، وَ أَرَانَا مِنْ مَلَکُوتِ قُدْرَتِهِ، وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِکْمَتِهِ، وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاکِ قُوَّتِهِ، مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، فَظَهَرَتِ الْبَدَائِعُ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ، وَ أَعْلَامُ حِکْمَتِهِ، فَصَارَ کُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ وَ إِنْ کَانَ خَلْقاً صَامِتاً، فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ، وَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ.
فَأَششْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَکَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِکَ، وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِکْمَتِکَ، لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِکَ، وَ لَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَکَ، وَ کَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ: «تَاللَّهِ إِنْ کُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيکُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ»! کَذَبَ الْعَادِلُونَ بِکَ، إِذْ شَبَّهُوکَ بِأَصْنَامِهِمْ، وَ نَحَلُوکَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ، وَ جَزَّءُوکَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ، وَ قَدَّرُوکَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى، بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ.
وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاکَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِکَ فَقَدْ عَدَلَ بِکَ، وَ الْعَادِلُ بِکَ کَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْکَمَاتُ آيَاتِکَ، وَ نَطَقَتْ عَنْه ُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِکَ، وَ إِنَّکَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ، فَتَکُونَ فِي مَهَبِّ فِکْرِهَا مُکَيَّفاً، وَ لَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَکُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً.
الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلَا رَوِيَّةِ فِکْرٍ آلَ إِلَيْهَا، وَ لَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا، وَ لَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ، وَ لَا شَرِيکٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ، وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، وَ أَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ، لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِىءِ، وَ لَا أَنَاةُ الْمُتَلَکِّىءِ، فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا، وَ نَهَجَ حُدُودَهَا، وَ لَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا، وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا، وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ، وَ الْغَرَائِزِ وَ الْهَيْئَاتِ، بَدَايَا خَلَائِقَ أَحْکَمَ صُنْعَهَا، وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَ ابْتَدَعَهَا!
وَ نَظَمَ بِلَا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا، وَ لَاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا، وَ وَشَّجَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا، وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ، وَ الصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ، حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا، وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ، فَالْتَحَمَتْ (فالتجمت) عُرَى أَشْرَاجِهَا، وَ فَتَقَ بَعْدَ الِارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا، وَ أَقَامَ رَصَداً، مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا، وَ أَمْسَکَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ، فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ، وَ أَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ.
وَ جََعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا، وَ قَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا، وَ أَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا، وَ قَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا، لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا، وَ لِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَ الْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا، ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَکَهَا، وَ نَاطَ بِهَا زِينَتَهَا، مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا وَ مَصَابِيحِ کَوَاکِبِهَا، وَ رَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا، وَ أَجْرَاهَا عَلَى أَذْلَالِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا، وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا، وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا، وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا.
ثُمََّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْکَانِ سَمواتِهِ، وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَکُوتِهِ، خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِکَتِهِ، وَ مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا، وَ حَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا، وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْکَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ، وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ، وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ، وَ وَرَاءَ ذَلِکَ الرَّجِيجِ الَّذِي تَسْتَکُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا، فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا.
وَ أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ، وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ، (أُولِي أَجْنِحَةٍ) تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ، لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ، وَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، (بَلْ عِبادٌ مُکْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) جَعَلَهُمُ اللَّهُ فِيمَا هُنَالِکَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ، وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ، وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ، فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ، وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ، وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّکِينَةِ، وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلًا إِلَى تَمَاجِيدِهِ، وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلَامِ تَوْحِيدِهِ.
لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الْآثَامِ، وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ، وَ لَمْ تَرْمِ الشُّکُوکُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ، وَ لَمْ تَعْتَرِکِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ، وَ لَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَ لَا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ، وَ مَا سَکَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَ هَيْبَةِ جَلَالَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ، وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِکْرِهِمْ.
وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَام ِالدُّلَّحِ، وَ فِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ، وَ فِي قَتْرَةِ الظَّلَامِ الْأَيْهَمِ، وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَهِيَ کَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ، وَ تَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ، قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ، وَ وَصَلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، وَ قَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ، وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ.
قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ، وَ شَرِبُوا بِالْکَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ، وَ تَمَکَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ، فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ، وَ لَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ، وَ لَا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ، وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَيَسْتَکْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ، وَ لَا تَرَکَتْ لَهُمُ اسْتِکَانَةُ الْإِجْلَالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ، وَ لَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ، وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ، وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلَاتُ أَلْسِنَتِهِمْ، وَ لَا مَلَکَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَار،ِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ، وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاکِبُهُمْ، وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ، وَ لَا تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلَادَةُ الْغَفَلَاتِ، وَ لَا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ.
قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ، وَ يَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ، لَا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ، وَ لَا يَرْجِعُ بِهِمُ الِاسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ، إِلَّا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ، لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ، فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ، وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيکَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ. لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَ لَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِکَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ، وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ، وَ لَا تَوَلَّاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ، وَ لَا تَشَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّيَبِ، وَ لَا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ، فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُکَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَ لَا عُدُولٌ وَ لَا وَنًى وَ لَا فُتُورٌ، وَ لَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلَّا وَ عَلَيْهِ مَلَکٌ سَاجِدٌ، أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ، يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً، وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً.
کَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ، وَ لُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ، تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا، وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا، وَ تَرْغُو زَبَداً کَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا، فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلَاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا، وَ سَکَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِکَلْکَلِهَا، وَ ذَلَّ مُسْتَخْذِياً، إِذْ تَمَعَّکَتْ عَلَيْهِ بِکَوَاهِلِهَا، فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ، سَاجِياً مَقْهُوراً، وَ فِي حَکَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً، وَ سَکَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ، وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَ اعْتِلَائِهِ، وَ شُمُوخِ أَنْفِهِ وَ سُمُوِّ غُلَوَائِهِ، وَ کَعَمَتْهُ عَلَى کِظَّةِ جَرْيَتِهِ، فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ، وَ لَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ.
فَلََمَّا سَکَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَکْنَافِهَا، وَ حَمْلِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ عَلَى أَکْتَافِهَا، فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا، وَ فَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَ أَخَادِيدِهَا، وَ عَدَّلَ حَرَکَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلَامِيدِهَا، وَ ذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا، فَسَکَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا، وَ تَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا، وَ رُکُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ وَ جَرَاثِيمِهَا، وَ فَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَ بَيْنَهَا، وَ أَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاکِنِهَا، وَ أَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا.
ثُمََّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا، وَ لَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا، حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا، وَ تَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا. أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ، وَ تَبَايُنِ قَزَعِهِ، حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ، وَ الْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي کُفَفِهِ، وَ لَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي کَنَهْوَرِ رَبَابِهِ، وَ مُتَرَاکِمِ سَحَابِهِ، أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِکاً، قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ، تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ، وَ دُفَعَ شَآبِيبِهِ. فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْکَ بِوَانَيْهَا، وَ بَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا، أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ، وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ، فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا، وَ تَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ، أَزَاهِيرِهَا، وَ حِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا، وَ جَعَلَ ذَلِکَ بَلَاغاً لِلْأَنَامِ، وَ رِزْقاً لِلْأَنْعَامِ، وَ خَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا، وَ أَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِکِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا.
فَلَممَّا مَهَدَ أَرْضَهُ، وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ، اخْتَارَ آدَمَ (عليه السلام) خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ، وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ، وَ أَسْکَنَهُ جَنَّتَهُ، وَ أَرْغَدَ فِيهَا أُکُلَهُ، وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ، وَ الْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ؛ فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ - مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ - فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ، وَ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ، مِمَّا يُؤَکِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ، وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ، بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ، وَ مُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالاتِهِ، قَرْناً فَقَرْناً؛ حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (صلي الله عليه و آله) حُجَّتُهُ، وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ وَ نُذُرُهُ.
وَ قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَکَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا، وَ قَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَ السَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا، وَ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِکَ الشُّکْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَ فَقِيرِهَا. ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا، وَ بِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا، وَ بِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا، وَ خَلَقَ الْآجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا، وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا، وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا، وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا.
عَالِِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ، وَ نَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ، وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ، وَ عُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ، وَ مَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ، وَ مَا ضَمِنَتْهُ أَکْنَانُ الْقُلُوبِ، وَ غَيَابَاتُ الْغُيُوبِ، وَ مَا أَصْغَتْ لِاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ، وَ مَصَايِفُ الذَّرِّ، وَ مَشَاتِي الْهَوَامِّ، وَ رَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ، وَ هَمْسِ الْأَقْدَامِ، وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَائِجِ غُلُفِ الْأَکْمَامِ ، وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَ أَوْدِيَتِهَا، وَ مُخْتَبَاءِ الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ وَ أَلْحِيَتِهَا، وَ مَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ، وَ مَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ، وَ نَاشِئَةِ الْغُيُومِ وَ مُتَلَاحِمِهَا، وَ دُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاکِمِهَا، وَ مَا تَسْفِي الْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا، وَ تَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا، وَ عَوْمِ بَنَاتِ الْأَرْضِ فِي کُثْبَانِ.
وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الأَجْنِحَةِ بِذُرَا شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ، وَ تَغْزِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الأَوْکَارِ، وَ مَا أَوْعَبَتْهُ الأَصْدَافُ، و حَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ، وَمَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ، أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ، وَ مَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ، وَ سُبُحَاتُ النُّورِ؛ وَأَثَرِ کُلِّ خَطْوَةٍ، وَحِسِّ کُلِّ حَرَکَةٍ، وَ رَجْعِ کُلِّ کَلِمَةٍ، وَ تَحْرِيکِ کُلِّ شَفَةٍ، وَ مُسْتَقَرِّ کُلِّ نَسَمَةٍ، وَ مِثْقَالِ کُلِّ ذَرَّةِ، وَ هَمَاهِمِ کُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ، وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ، أَوْ ساقِطِ وَرَقَةٍ؛ أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ، أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ وَ مُضْغَةٍ، أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَ سُلالَةٍ؛ لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذلِکَ کُلْفَةٌ، وَلااعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ، وَ لا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الأُمُورِ وَ تَدَابِيرِ الْمَخلُوقِينَ مَلالَةٌ وَ لا فَتْرَةٌ، بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ، وَ أَحْصَاهُمْ عَدَدُهُ، وَوَسِعَهُمْ عَدْلُهُ، وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهُ، مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ کُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ.
اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ، والتَّعْدَادِ الْکَثِيرِ، إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ، وَإِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُوٍّ. الَّلهُمَّ وَ قَدْ بَسَطْتَ لي فِيمَا لا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَکَ، وَلاأُثْنِي بِهِ عَلَى أَحدٍ سِوَاکَ، وَلا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَمَوَاضِعِ الرِّيبَةِ، وَعَدَلْتَ بِلِسَاني عَنْ مَدَائِحِ الآدمِيِّينَ؛ وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ. الَّلهُمَّ وَلِکُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مُثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ، أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ؛ وَقَدْ رَجَوْتُکَ دَلِيلا عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَکُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ. الَّلهُمَّ وَ هذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَکَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَکَ، وَلَمْ يَرَمُستَحِقّآ لِهذِهِ المَحَامِدِ وَ الْمَمادِحِ غَيْرَکَ؛ وَ بِي فَاقَةٌ إِلَيکَ لايَجْبُرُ مَسْکَنَتَهَا إلاَّ فَضْلُکَ، وَ لا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلاَّ مَنُّکَ وَجُودُکَ، فَهَبْ لَنَا فِي الْمَقَامِ رِضَاکَ، وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الأَيْدِي إِلَى سِوَاکَ؛ «إِنَّکَ عَلَى کُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ!».