أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا في دَهْرٍ عَنُودٍ، وَ زَمَنٍ کَنُودٍ، يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ مُسِيئآ، وَ يَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيِهِ عُتُوّآ، لاَنَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا، وَ لاَنَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا، وَ لاَنَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّى تَحُلَّ بِنَا.
فَالنَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ: مِنْهُمْ مَنْ لاَيَمْنَعُهُ آلْفَسَادَ فِي آلاْرْضِ إِلاَّ مَهَانَةُ نَفْسِهِ، وَ کَلاَلَةُ حَدِّهِ، وَ نَضِيضُ وَفْرِهِ.وَ مِنْهُمُ الْمُصْلِتُ لِسَيْفِهِ، وَ آلمُعْلِنُ بِشَرِّهِ، وَ آلْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ، قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ، وَ أَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطَامٍ يَنْتَهِزُهُ،أَوْ مِقْنَبٍ يَقُودُهُ، أَوْ مِنْبَرٍ يَفْرَعُهُ. وَ لَبِئْسَ آلْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِکَ ثَمَنآ، وَ مِمَّا لَکَ عِنْدَآللهِ عِوَضآ!وَ مِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ آلاْخِرَةِ، وَ لاَيَطْلُبُ آلاْخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا، قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ، وَ قَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ، وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ، وَ زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلاْمَانَةِ، وَ آتَّخَذَ سِتْرَ آللهِ ذَرِيعَةً إِلَى آلمَعْصِيَةِ.وَ مِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ آلْمُلْکِ ضُؤُولَةُ نَفْسِهِ، وَ آنقِطاعُ سَبَبِهِ، فَقَصَرَتْهُ آلْحالُ عَلَى حالِهِ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ آلْقَنَاعَةِ، وَ تَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ آلزَّهَادَةِ، وَ لَيْسَ مِنْ ذلِکَ فِي مَرَاحٍ وَ لاَ مَغْدًى.
وَ بَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِکْرُ آلْمَرْجِعِ، وَ أَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ آلْمَحْشَرِ، فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٍّ، وَ خائِفٍ مَقْمُوعٍ، وَ سَاکِتٍ مَکْعُومٍ، و َدَاعٍ مُخْلِصٍ، وَ ثَکْلاَنَ مُوجَعٍ، قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ آلتَّقِيَّةُ، وَ شَمِلَتْهُمُ آلذِّلَّةُ، فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ، أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ، وَ قُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ، قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا، وَ قُهِرُوا حَتَّي ذَلُّوا، وَ قُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا.
فَلْتَکُنِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِکُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ آلْقَرَظِ، وَ قُرَاضَةِ آلْجَلَمِ، وَ اتَّعِظُوا بِمَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ، قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِکُمْ مَنْ بَعْدَکُمْ؛ وَ آرْفُضُوهَا ذَمِيمَةً، فَإِنَّهَا قَد رَفَضَتْ مَنْ کَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْکُمْ.